محمد راغب الطباخ الحلبي
134
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
العلم باليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوله وأعجبه جمعه وترتيبه ، فاتفق أنه حج ، فحمله معه ، وكان إذا اجتمع بأديب أراه ذلك الكتاب وسأله عنه هل يعرفه أو يعرف مصنفه ، فلم يجد أحدا يخبره بذلك ، فأراه في بعض الأحيان لبعض الأدباء وكان ممن يعلم حال أبي العلاء بن سليمان وتبحره في العلم ، فدله عليه ، فخرج ذلك الرجل إلى الشام ووصل إلى معرة النعمان واجتمع بأبي العلاء بن سليمان وعرفه ما حمله على الرحلة إليه ، وأحضر إليه ذلك الكتاب وهو مقطوع الأول ، فقال له أبو العلاء : اقرأ منه شيئا ، فقرأه عليه ، فقال له أبو العلاء : هذا الكتاب اسمه كذا ومصنفه فلان بن فلان ، ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أول الكتاب إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل ، فنقل ذلك الرجل ما نقص من الكتاب عن أبي العلاء وأكمل النسخة ، وانفصل إلى اليمن وأخبر أهل العلم بذلك . وقيل إن هذا الكتاب المذكور هو ديوان الأدب للفارابي واللّه أعلم . وذكر القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد بن علي بن إبراهيم ابن الزبير المصري في كتاب « جنان الجنان » قال : حدثني القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سندي القنّسريّ بمصر قال : حدثني أبي قال : بتنا عند أبي العلاء المعري في الوقت الذي كان يملي فيه شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم ، فأملى في ليلة واحدة ألفي بيت كان يسكت زمانا ثم يملي قريبا من خمسمائة بيت ، ثم يعود إلى الفكرة والعمل ، إلى أن أكملت العدة المذكورة . أخبرني ناصر بن موفق بن فرج السّلمي المراكشي بالقاهرة ، وكان من أهل الأدب قال : نقلت من طرة على كتاب الأغاني للرقيق : قال محمد بن أبي بكر ويعرف بالحاتمي : ارتحلت أريد المعرة لألقى أبا العلاء بن سليمان ، فبينما أنا في بعض طريقي وإذا بشاب حسن الصورة وسيم الوجه وهو أعور وهو راكب على عير ومعه شخص وضيء الوجه حسن الصورة يعتبه عتابا لطيفا ، فلما انتهى إلى آخر عتابه قال له الشاب الأعور منشدا : إن كنت خنتك في الهوى * فحشرت أقبح من فضيحه قال الحاتمي : فرمت أن أزيد على هذا البيت شيئا فلم أستطع لكثرة طربي به ، إلى أن انتهيت إلى المعرة ودخلت على أبي العلاء بن سليمان ، وكان أول حديثي معه أن تذاكرنا في أبيات من الشعر ذكر منها بيت جهل قائله وهو : إنما تسرح آساد الشرى * حيث لا تنصب أشراك الحدق